محمد أبو زهرة

1927

زهرة التفاسير

أوامر الدين لله ، ويتحقق قول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا لله » « 1 » . إذا تحققت هذه الأحوال دخلوا في الجماعة المؤمنة ، ولذا قال سبحانه : فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً أي فأولئك الذين اتصفوا بهذه الأوصاف بسببها يخرجون من صفوف المنافقين إلى صفوف المؤمنين ، فالإشارة في قوله تعالى فَأُولئِكَ للسابقين ، وهم قد عرفوا بأوصافهم ، فكانت الإشارة إليهم موصوفين بها ، وكانت هذه الأوصاف هي السبب في ارتفاعهم من دركة النفاق السفلى إلى درجة أهل الإيمان العليا ، وذكر الله سبحانه وتعالى هذه المعية للمؤمنين لشرف الصحبة مع الأخيار الأبرار ، بعد طلبهم النصرة من الأشرار الكفار ، فهذا دليل على الرفعة في الصحبة بعد الانخفاض فيها ، كما ارتفعوا عند الله ، والإشارة بالبعيد للدلالة على رفعة منزلتهم بالتوبة ، وفي كل ذلك تحريض عليها وترغيب فيها فإن الله تعالى يحب توبة عبده ، وهو الغفور الرحيم ، العزيز الكريم . وإنهم إذا كانوا مع المؤمنين ، فإن لهم جزاءهم وقد وعد الله المؤمنين جزاء عظيما ، ولذا قال سبحانه : وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً والأجر هو الجزاء ، وهنا إشارتان بيانيتان : إحداهما - أن التعبير ب « سوف » لم يكن استعماله في القرآن ، وهو أحكم الكلام للدلالة على مجرد التسويف الزماني ، بل هي لتأكيد الوقوع في الأمر المستقبل ، وكأن المعنى أنه من المؤكد أنه سينزل المؤمنون بمقام الرضا والجنات في قابل أمرهم كما ظفروا بالرضا والنصر ، والتأييد في عاجلهم . ثانيهما - تنكير الأجر إذ قال « أَجْراً عَظِيماً » ، فنكر الأجر ووصفه بالعظم ، والتنكير هنا للتعظيم ، فكأنه قد أكد عظم هذا الأجر مرتين مرة بما تضمنه معنى التنكير ، ومرة أخرى بالتصريح بوصف العظم ، وإن جزاء الله لعظيم أي عظم .

--> ( 1 ) سبق تخريج ما في معناه من حديث .